الاثنين، 12 أكتوبر 2015

أثر الجهد - كيف تساعد طفلك على النجاح



وفقا لطبيب نفسي من ستانفورد، للوصول إلى آفاق جديدة عليك تعلّم احتضان العثرات بين الحين و الآخر.

مشكلة الموهبة

في يوم من أيام نوفمبر الماضي، أستاذة علم النفس كارول دويك رحّبت بزوج من الزوّار من بلاكبيرن روفرز، فريق لكرة القدم من بريطانيا. مركز روفرز للتدريب مصنف في الثلاثة الأوائل في المملكة المتّحدة، و مع ذلك مدير الأداء توني فولكنر اشتبه لفترة طويلة أن العديد من لاعبيه الواعدين لا يحقّفون ما يمكن أن تصل له إمكاناتهم، متجاهلين شعار الفريق القائم منذ قرن من الزمن "المهارة و العمل الجاد"، اللاعبون الموهوبين كانوا يزدرون التدريب الجاد.

إلى درجة ما، أدرك فولكنر مصدر المشكلة: الرأي العام في بريطانيا أن اللاعبين النجوم يولدون نجوم و لا يمكن صنعهم. إذا كنت تشترك معهم في هذا الرأي، و يخبرك البعض أن لديك موهبة هائلة، فما جدوى التدريب؟ بل و أنّه في هذه الحالة التدريب الجاد قد يعني للآخرين أنّك جيّد فقط و لست هائل الموهبة. فولكنر أدرك هذه المشكلة لكن لحلّها فهو يحتاج لمساعدة دويك.

لا يبدو أن أستاذة علم نفس في عمر الستين هي الشخص المناسب لحل هذه المشكلة الرياضيّة. لكن خبرة دويك و كتابها الأخير: "العقليّة: سيكولوجيا النجاح الجديدة" تتعلّق بشكل مباشر بالمشكلة التي تواجه روفرز. في خلال ثلاثة عقود من البحث الممنهج، استطاعت من الإجابة على أسئلة مثل لماذا ينجح البعض في تحقيق قدراتهم و أهدافهم بينما يفشل البعض الآخر حتى لو كان لديهم نفس مستوى الموهبة لماذا يصبح البعض كالملاكم الناجح "محمد علي كلاي" بينما يفشل آخرون مثل الملاكم المشهور بسوء سمعته "مايك تايسون". السر يكمن كما وجدت هي، ليس في القدرة أو الموهبة بل بطريقة نظرنا إلى تلك الموهبة، هل ننظر إليها كجزء يولد معنا يجب علينا إظهاره، أم هي شيء يمكن تطويره و تحسينه.

إضافة إلى ذلك، فقد أثبتت دويك أنّه يمكن للأشخاص تبنّي هذه العقليّة "أنّه يمكنك تطوير قدراتك" و تحقيق خطوات واسعة في أدائهم. في هذه الأيام تُطلَب دويك في أي موضوع حيث الإنجاز و التحفيز مهمان، سواءاً في مجال التعليم أو التربية أو إدارة الشركات أو حتى تطوير الذات.

"العجز المكتسب سببه الفشل المتكرّر"

كخريج من جامعة يال، بدأت دويك دراساتها على دوافع تصرفات الحيوانات. في آواخر الستينيات كان موضوع العجز المكتسب موضوعاً هاماً في دراسات الحيوانات: الحيوانات في المختبر في بعض الأحيان لم تقم بما هي قادرة على القيام به بسبب الاستسلام بعد العديد من المحاولات الفاشلة. تساءلت دويك، كيف يتعامل البشر مع حالة مماثلة. كما استذكرت دويك "تساءلت: ما الذي يجعل طفلاً قادراً يستسلم في مواجهة الفشل، بينما يحفّز الفشل آخر للعمل بجد أكبر".

في ذلك الوقت كان العلاج المقترح لمشكلة "العجز المكتسب" هو سلسلة طويلة من النجاحات. طرحت دويك الفكرة أن الاستجابة العاجزة و عكسها – أي الاستجابة بالمثابرة لاكتساب مهارات جديدة و تخطّي المصاعب- يكمن في معتقدات الشخص حول أسباب فشله.تعتقد دويك أن الأشخاص الذين ينسبون الفشل لعدم قدرتهم تثبط عزيمتهم و يفشلون في تحقيق ما يريدون حتى و لو كانت لديهم القدرة على ذلك. بينما أولئك الذين يعتقدون أنهم ببساطة لم يحاولوا بما فيه الكفاية، اشعلت عزيمتهم المحاولات الفاشلة المتكرّرة، و هكذا أصبح هذا الموضوع أطروحتها للدكتوارة.

قامت دويك و مساعديها بإجراء تجربة على طلاب المرحلة الابتدائية الذين صنّفهم معلّموهم على أنّهم عاجزين. طابق هؤلاء الأطفال الوصف تماماً: إذا واجهتهم عدة مسائل رياضيات لم يتمكّنوا من حلّها (على سبيل المثال)، لم يتمكنوا بعد ذلك من حل المسائل التي قد حلّوها سابقاً. و قد استمر ذلك الأثر (العجز) لعدّة أيام، قبل عودة  قدرتهم على حل تلك المسائل إليهم.

من خلال عدّة تمارين، درّب الباحثون نصف هؤلاء الطلاب لكي يعزوا أخطاءهم لعدم بذل جهد كافي، و شجّعوهم ليتابعوا. هؤلاء الطلاب تعلّموا أن يثابروا في وجه الفشل حتى ينجحوا. بينما النصف الآخر لم يشهد أي تحسّن إطلاقاً و استمرّوا بالتداعي و الاستسلام بسرعة و التعافي ببطء. تقول دويك: "إن هذه النتائج تدعم الفكرة أن عزو الفشل إلى عدم قدرة أو عدم بذل جهد كافي هي عنصر رئيسي في تكوين هذه الأنماط. و قد أصبحت مقالتها التي نشرت في ال 1975 من أكثر الدراسات التي استشهد فيها في علم النفس المعاصر.

"فهم سبب الفشل و عدم إسناده إلى وجود أو عدم وجود صفة غير قابلة للتغيير، و ربطه بالجهد المبذول"


نظريّة الإسناد، المعنيّة بأحكام الناس حول أسباب الأحداث التي تواجههم و تصرّفاتهم كانت بالفعل منطقة ناشطة للبحث النفسي. لكن التركيز في ذلك الوقت كان مصبوباً على كيفيّة إسنادنا للأحكام. كما يفسر أستاذ علم النفس من ستانفورد لي روس –الذي صاغ مصطلح "خطأ الإسناد الجذري" حيث نسند تصرفات الأشخاص لخلل أو سبب في شخصيّتهم، دون النظر إلى الظروف المحيطة بالتصرّف- قائلاً : "إن دويك ساهمت بشكل كبير على تحويل التركيز من أخطاء الإسناد و التحيز في الرأي إلى تبعات هذه الأخطاء، و بهذا قامت دويك بإيجاد جانب تطبيقي للنظرية يمكن الإستفادة منه".

تابعت دويك كأستاذ مساعد في جامعة إيلينوي بالتعاون مع كارول دينر بحوثها، حيث دفعت أطفال "للتفكير بصوت مرتفع" أثناء حلّهم للمسائل، بعض هذه المسائل أصعب بكثير من قدراتهم. المفاجئة الكبرى كانت: أن بعض الأطفال الذين بذلوا جهد كبير في حل المسائل، لم يعزوا ذلك لأي سبب، فهم بنظرهم لم يفشلوا. دينر يشرح الموضوع بهذه الطريقة:"الفشل يزوّدك بمعلومة – نحن نسميّه فشل- لكن الموضوع أقرب إلى التالي (هذه الطريقة لم تحل المسألة، أنا أحاول حل المسألة، سأحاول طريقة أخرى)". في لحظة لا تنسى قام طفل يعتبر بمثابة النموذج الأمثل للمثابرة عندما واجه مسألة صعبة جداً، بسحب كرسيه، فرك يديه معلناً "أنا أحب التحدي".

هذه الحماسة لمواجهة التحدي ساعدت في تفسير سبب ظن بعض الطلاب المتفوقين بعدم قدرتهم على حل المسائل عند مواجهتهم لنكسة –مجموعة من الأسئلة الصعبة-. الرأي العام يقترح أن القدرات المتميّزة تلهم الثقة بالنفس، إلّا أن ذلك صحيح فقط في الأوقات السهلة، لكن مواجهة النكسات أو الصعوبات تغيّر كل ذلك. أدركت دويك أن الفرق يكمن في أهداف الأطفال، فالأطفال الذين يصمّمون على إتقان مهارة معيّنة لن يتوقّفوا دون تعلّم شيء جديد. كما تذكر دويك:"إن الأهداف المتعلقة بتعلّم شيء جديد تولّد تصرّفات مختلفة عن الأهداف المتعلّقة بالنتيجة النهائية".

"الاهتمام بالتعلّم و ليس النتيجة النهائيّة"


الطلاب المهتمّون بالنتيجة النهائية يضعون قيمة عالية جدّاً  للظهور بمظهر الطالب الذكي، حتى لو عنى ذلك عدم تعلّم شيء جديد. فبالنسبة لهم كل مسألة هي بمثابة تحدّي لتصوّرهم لذاتهم. و كل نكسة أو فشل يشكّل خطراً على تقييمهم لأنفسهم. لذا يقومون فقط بمواجهة التحديّات والنشاطات التي يظنّون بأنّهم سينجحون بها بالتأكيد، متجنّبين بذلك التجارب الضروريّة لتنمية قدراتهم في أي مجال. على عكس ذلك فالطلاب المهتميّن بتعلّم شيء جديد، يتّخذون مخاطرات ضرورية و لا يقلقون بأنهم سيفشلون، لأن كل خطأ هو بمثابة فرصة لتعلّم شيء جديد. إن نتائج دويك أطلقت حقلاً جديداً لسيكولوجيا التعليم.

عقليّة النمو و العقليّة الثابتة

خلال تفرّغها في هارفارد سألت دويك السؤال التالي: "مالذي يجعل الطلاب المختلفين يركّزون على أهداف مختلفة (النتيجة النهائية مقارنة بتعلّم شيء جديد)؟". و خلال عملها صدمتها الإجابة، إذا ما كان بعض الطلاب يريد التباهي بقدراته، بينما البعض الآخر يريد تطوير قدراته. فإن فكرة القدرات تحمل معنى مختلف لكلٍ منهم. فمن يستعرض قدراته مراراً و تكراراً سيصبح لديه الانطباع أنّها جزء منه لا يتغيّر. بينما من يعمل على تطوير قدراته واعي أن قدراته شيء قابل للتغيير و التحسّن. الناس الذين يهتمّون بالنتيجة النهائية يؤمنون أن ذكاءهم و قدرتهم ثابتة منذ الولادة، بينما من يركّز على التعلّم، يعتقد أنّه قادر على النمو  و تطوير ذكائه و قدراته. كما هو ظاهر في نموذج المقارنة في الرابط التالي.


كبرت دويك في بروكلين في الخمسينيات، كان أداؤها في المرحلة الابتدائية جيّداً، مما أكسبها مكانة خاصّة بين المتفوّقين في صفّها. فكما تبيّن لها، كانت معلّمتها "السيدة ويلسون" ترتّب جلوس الطلاب و المهام المعطاة لهم حسب معدل ذكائهم (آي كيو) . سواءاً كانت ويلسون قاصدة لذلك أم لا فإنّها كانت تظهر إيمانها بأن الذكاء شيء ثابت لا يمكن تغييره. دويك التي كانت في المقعد الأول في الصف الأول تعتقد أن نوايا معلمتها كانت حسنة. و أن هذه التجربة لم تأثّر على نظرتها لنفسها، حيث كان لديها عقليّة النمو منذ سن مبكّر، لكنّها أثبتت بدراساتها أن قولبة الطلاب بأنّهم متميّزين يؤثر على أدائهم و خصوصاً الإناث منهم.

"الامتحانات أداة سيّئة لتقييم قدرات الطلاب"


الامتحانات، كما أشارت دويك هي أداة سيّئة لتقييم قدرة الطلاب. خذ مجموعة من البالغين و أطلب منهم رسم صورة لأنفسهم، حيث أن رأي الأغلبية، أن الرسم موهبة لا يمتلكونها، ستجد أن الرسومات لا تتجاوز كونها خربشة أطفال. أما إذا أخذت نفس هؤلاء البالغين و وضعتهم في صف تمّ تصميمه لهذا الهدف، فلن تصدّق جودة هذه الرسومات، الإيمان بأننا لا نستطيع التحسن يعيق أي تطوّر.

"نظرة المجتمع من العوامل التي تساعد في تشكيل تلك العقليّة"

الثقافة العامة أو الرأي العام للمجتمع يلعب دور كبير في تشكيل هذه المعتقدات. دويك تقول:"أن استاذ فيزياء من الهند (حيث درست هي) راسلها قائلاً أنّه لا يوجد هنا أي معتقد بأنّك يجب أن تكون عبقريّاً أو مميّزاً لتدرس الفيزياء. الاعتقاد القائم هنا أنّه بإمكان أي شخص فعل ذلك، و هذا فعلاً ما كان يحصل." و لكن ماذا لو تربيّت في مجتمع يحمل هذه الفكرة إزاء الفيزياء، أو اللغات الأجنبية أو حتى الموسيقى؟ ليس هناك داعي للقلق فقد أظهرت دويك أنه يمكن تغيير تلك العقليّة.

الدليل الأكثر قوة يأتي من دراسة حديثة قامت بها دويك و بلاكويل على طلاب ضعيفي التحصيل في الصف السابع. تم إشراك جميع الطلاب في صفوف عن مهارات الدراسة، التفكير و ما إلى ذلك. إضافة إلى ذلك، قامت مجموعة بحضور صفوف عن الذاكرة، بينما قامت المجموعة الأخرى بحضور صفوف تشرح كيف أن الذكاء كالعضلة يمكن تطويره بالتمرين المستمر، مدربين بذلك تلك المجموعة على عقليّة النمو مما أثّر على حماستهم و نتائجهم في الحساب، بينما لم يحصل أي تحسن على المجموعة الأخرى على الرغم من كل التدخلات الأخرى.

إن مهارات الدراسة و التعلّم عاجزة بذاتها ما لم يتم إضافة ذلك العنصر الفعّال (عقليّة النمو). حيث يمكن أن يعرف الطلاب كيف يدرسون، لكنّهم لا يرغبون بذلك إذا ما ظنّوا أن جهودهم عقيمة. و إذا ما استهدفت تلك الفكرة و قمت بتغييرها ستجد تقدّم رائع و ملحوظ في النتائج.

التتمّة في الجزء الثاني

مترجم من مقالة مارينا كراكوفسكي - من موقع جامعة ستانفورد
لقراءة المقالة كاملة بالإنجليزية - إضغط هنا