الثلاثاء، 28 مايو 2024

الدليل الشامل لفهم التعليم بالتلعيب


 

التعليم بالتلعيب Gamified education 

في السنوات الأخيرة، بدأنا نشهد تحوّلًا كبيرًا في مجال التعليم، حيث اتجهت العديد من الجهات التعليمية والمؤسسات إلى تبنِّي استراتيجيات تعليمية جديدة تتجاوز الطرق التقليدية، تعتمد فيها بشكل أساسي على الأساليب التحفيزية والتفاعلية التي تسعى من خلالها إلى تحسين تجربة التعلم وزيادة تفاعل الطلاب.

ومع التطور التكنولوجي الهائل أصبحت التقنيات الحديثة تلعب دورًا رئيساً في هذا المجال، حيث توفر العديد من المنصات وشركات تكنولوجيا المعلومات منتجات تعليمية متنوعة ترتكز في بُنيتها على هذه الأساليب التي أثبتت فعاليتها في تحفيز المتعلمين وتعزيز مشاركتهم، مثل: أسلوب التعليم بالتلعيب (Gamification) والتعلم القائم على الألعاب (Game-Based Learning).

هذا الاتجاه المتزايد يعكس رغبة عميقة في تقديم تعليم أكثر شمولية وملاءمة لاحتياجات الجيل الحالي، مما يؤدي إلى تحقيق نتائج تعليمية أفضل وإعداد الأفراد لمتطلبات المستقبل بشكل جيد وأكثر فعالية. وفي هذا الصدد، سنتعرف في مقالنا على أحد أميز الأساليب التي اعتمدت عليها الجهات التعليمية ووفرتها الشركات كمنتج.

ما هو التعليم بالتلعيب Gamified education؟

قد يتبادر للأذهان بأن مصطلح التعليم بالتلعيب يحمل المفهوم ذاته لمصطلح التعلم من خلال اللعب دون التنبه للمفارقة بينهما. إذ يقصد بالتعليم بالتلعيب ذاك النمط الذي يستخدم في منهجيته العناصر والتقنيات التي تقوم عليها الألعاب، كالنقاط، والأوسمة، والمستويات، والتحديات، والمكافآت، وإدخالها في البيئات التعليمية لجعلها ممتعة ذات طابع تشويقي تحفيزي يتفاعل معها المتعلم كأنها لعبة لكن دون أن تكون هناك لعبة فعلية تلعب. تهدف هذه الطريقة إلى إخراج الدروس من نمطيتها المملة ودمجها بالعناصر التي تجعلها جذابة ومرغوبة دون إجراء أي تغيُّر على محتواها التعليمي. مثل: لوحة المتصدرين لعرض التقدم بين الطلاب وخلق التنافسية بينهم، ومنح نقاط عند إتمام واجبات معينة، وإعطاء وسام (ملك القراءة) لأفضل طالب في القراءة خلال الأسبوع.

في المقابل، يعتمد التعلم باللعب (Game-Based Learning) في منهجيته على إدخال الألعاب في العملية التعليمية واستخدام ألعاب فعلية كجزء من التعلم. تهدف إلى إكساب الطالب مهارات ومفاهيم محددة من خلال اللعبة نفسها، مثل: ألعاب تعليم المفردات اللغوية، وألعاب تعليم العمليات الحسابية في الرياضيات. وغيرها من الألعاب التي تكون هي الوسيلة التي يتعلم من خلالها الطالب.

ولفهم الفرق بين التعلم بالتلعيب والتعلم باللعب، نستعرض هذه الأمثلة:

- يقوم المعلم خلال العملية التعليمية باستخدام نظام النقاط والأوسمة، كلما حل الطالب معادلة بشكل صحيح، يحصل على نقاط تُضاف إلى رصيده. بعد جمع عدد معين من النقاط، يمكن للطالب الحصول على وسام يميز مهارته في حل المعادلات. يمكن عرض الوسام عند اسم الطالب في لوحة المتصدرين ليشاهده الجميع في الصف، مما يزيد من الدافع والمنافسة بين الطلاب.

- يقدم المعلم لعبة فيديو تعليمية تتعلق بحل المعادلات الرياضية. في اللعبة، يعمل الطلاب على حل معادلات رياضية لتجاوز العقبات والتقدم في مستويات اللعبة. تتطلب منهم استخدام مهارات التفكير النقدي والمنطقي لحل المشكلات، مما يكسبهم مهارة حل المعادلات والتقدم في اللعبة.

نلاحظ في المثال الأول، اتباع المعلم أسلوب التعلم بالتلعيب بهدف إضافة قدر من المتعة والتحفيز خلال العملية التعليمية، وجذب اهتمام المتعلمين لمواصلة التعلم. وفي المثال الثاني، اتبع المعلم أسلوب التعلم باللعب، حيث استخدم لعبة فعلية كوسيلة لتعليم الطلاب مهارة محددة من خلال تجربة اللعب نفسها.

ما أهمية التعليم بالتلعيب والفوائد المكتسبة منه؟ 

هل تساءلت يومًا لماذا ينجذب المتعلمون للألعاب أكثر من واجباتهم التعليمية؟ 

مما لا شك فيه، بأن الألعاب مبنية على عناصر تخلق المتعة والتحدي والشعور بالإنجاز والرضا، مقارنة بالمهام الدراسية التقليدية التي قد تكون أقل تفاعلاً وتنوعاً يشعر فيها الطالب بالملل. وهذا بدوره يجعل تبني أسلوب التعلم بالتلعيب في العملية التعليمية ذا أهمية كبيرة، إضافة إلى الفوائد العديدة التي يمكن اكتسابها منه:

1. زيادة التحفيز والتفاعل

يعمل استخدام النقاط، والأوسمة، والمستويات، على خلق جو من التحدي والمنافسة، حيث يسعى الطلاب إلى تحقيق الأهداف والجوائز، مما يزيد من رغبتهم في المشاركة والتعلم.

2. تعزيز التعلم النشط

يشجع التعليم بالتلعيب الطلاب على المشاركة الفعالة في العملية التعليمية من خلال الأنشطة التفاعلية التي تتطلب منهم التفكير وحل المشكلات.

3. التفاعل مع المحتوى

يعزز هذا النهج من قدرة الطلاب على التفاعل مع المواد الدراسية بشكل أعمق وأكثر ارتباطًا.

4. تحسين النتائج التعليمية

تساعد الأساليب التلعيبية في تعزيز استيعاب المفاهيم من خلال جعل التعلم ممتعًا وذا صلة بحياة الطلاب. كما تتطلب غالبًا تكرار المهام، مما يساعد الطلاب على تحسين مهاراتهم وترسيخ المعلومات في ذاكرتهم.

5. توفير تغذية راجعة فورية 

يحصل الطلاب على تقييمات فورية من خلال نقاط وأوسمة، مما يساعدهم على معرفة مستوى تقدمهم وفهم نقاط القوة والضعف لديهم.

6. التكيف مع الأداء

يمكن للمعلمين تعديل الأنشطة التعليمية بناءً على أداء الطلاب الفوري، مما يجعل العملية التعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجات الطلاب.

7. تشجيع الاستقلالية وتحمل المسؤولية

يعزز التعليم بالتلعيب من استقلالية الطلاب، حيث يتخذون قراراتهم بأنفسهم لتحقيق الأهداف التعليمية. كما يتحملون مسؤولية تقدمهم التعليمي، مما يعزز من شعورهم بالمسؤولية تجاه تعلمهم.

8. إدماج التكنولوجيا بفعالية

يساعد التعليم بالتلعيب على دمج التكنولوجيا في التعليم بشكل فعال، مما يجعل التعلم متماشياً مع العصر الرقمي الذي نعيش فيه.

9. اكتساب المهارات التقنية

يكتسب الطلاب مهارات تقنية مهمة من خلال استخدامهم للأدوات التكنولوجية المختلفة.

10. المتعة في التعلم

يحول التعليم بالتلعيب البيئات التعليمية إلى أماكن ممتعة وجذابة، مما يقلل من الشعور بالملل والإحباط بين الطلاب.

11. الاهتمام المستمر

يبقي هذا النهج الطلاب مهتمين ومندمجين طوال فترة التعلم، مما يعزز من قدرتهم على الاستمرار والمثابرة، وجذب اهتمامهم لمواصلة التعلم. 

يمثل التعليم بالتلعيب نهجًا شاملًا وفعالًا يجمع بين المتعة والتحفيز والتعلم النشط، ويعزز من رغبة الطلاب في المشاركة والتعلم المستمر، وبفضل هذا الأسلوب، يمكن تحسين العملية التعليمية وتعزيز دورها بشكل أفضل، ما يجعله من الأدوات الهامة في تطوير التعليم.

بقلم: خلود المعاويد


الاثنين، 20 مايو 2024

كسر الشفرة: كيف يتقن المخ مهارات القراءة؟



 نتعلم الكلام عن طريق التعرّض للغة؛ نسمع ونلاحظ ونقلد. نحن لسنا بحاجة إلى أحد كي يعلمنا الكلام، لكن فيما يتعلق بالقراءة، فالأمر يختلف.

لكن بمجرد أن نتعلم القراءة، لا تعود أمخاخنا كما كانت. عندها يستطيع المخ أن يتعامل مع الكلمات المكتوبة بشكل آلي دون أن نحتاج إلى بذل مجهود واع. لدى العقل البشري القدرة على التعامل مع مجموعة واسعة ومعقدة من العمليات اللازمة لإتمام عملية القراءة، وهذه العمليات العقلية التي تكون عملية القراءة لا يمكن فصلها أو تعليمها بشكل منفصل، لكنها تنمو وتتكامل معا.

هناك أربعة مناطق في المخ مرتبطة بعملية القراءة: 

1. القشرة البصرية: التي تساعدنا على إدراك الحروف والكلمات.

2. القشرة الصوتية: التي تربط الأصوات بالحروف.

3. القشرة الدلالية: التي تخزن معاني الكلمات.

4. القشرة النحوية: التي تساعدنا على فهم قواعد وبنية الجمل.

تعمل كل الأجزاء بتناغم معا من خلال تشكيل مسارات عصبية فعالة وسريعة أثناء القراءة.

يتكون المخ من نصفين: نصف أيمن ونصف أيسر. كل نصف يتكون من أربعة فصوص رئيسية: الجبهي والجداري والصدغي والخلفي. معالجة الكلام واللغة والقراءة هي مسؤولية النصف الأيسر من المخ. لكل فص من الأربعة دور فريد في قراءة الكلمات، وهم يتفاعلون معا لربط الكلمات المقروءة بأصوات الحروف ومعناها:


  • في المنطقة الجدارية الصدغية: يتم تقسيم الكلمة المقروءة وتحليلها إلى أصواتها.
  • في المنطقة الصدغية الخلفية: يخزن المخ شكل الكلمة مع معناها. 
  • في المنطقة الأمامية وبالتحديد منطقة بروكا: تتم معالجة أصوات الكلام أثناء الاستماع والتحدث. 

عندما نقرأ، تقوم أدمغتنا بتحويل أشكال الحروف والرموز الموجودة على الصفحة إلى أصوات اللغة المنطوقة. لكن كيف يفعل الدماغ هذا؟

البروفيسور ستانيسلاس ديهين من كلية فرنسا، درس كيفية حدوث القراءة في الدماغ، وتوصل إلى الآتي: 

لتعلم القراءة، على المخ أولا أن يتعلم الكلام، وهذه عملية سهلة بالنسبة للأطفال، فعلى مدى ملايين السنين، تطور المخ البشري ليستطيع تعلم الكلام بسهولة. لا يحتاج أحد إلى الذهاب إلى المدرسة ليتعلم الكلام. كل ما نحتاجه هو التعرّض للغة التي سنتعلمها. مع ذلك، لم يتطور المخ البشري ليتعلم القراءة بنفس الطريقة، فالقراءة هي اختراع حديث نسبيا بالنسبة للعقل البشري. هناك جزء من المخ يستخدم للتعرف على الوجوه. عندما نعلّم طفلنا القراءة فنحن نعلّمه كيف يستخدم هذا الجزء في التعرف على الحروف، ثم يتم نقل هذه المعلومات عن الحروف إلى الجزء المسؤول عن الكلام المنطوق، والذي يعرف كيف يمكن نطق هذه الكلمات المكتوبة. إذا كان القارئ مبتدئا ويتعلم القراءة، فالتحدي الذي يواجهه هو كيفية تحويل الحروف إلى أصوات. تستهلك هذه العملية تركيزا كبيرا من القارئ المبتدئ، حتى أنه لا يستطيع التركيز في معاني الكلمات التي يقرأها، ويظل هكذا إلى أن يتقن هذه العملية.

عندما يصبح الشخص قارئا خبيرا، فإنه يصبح أسرع وأسرع في عملية تحويل الحروف إلى أصوات، لدرجة أنه يمكن أن يحول مجموعة كبيرة من الحروف إلى الأصوات المقابلة لها في نفس الوقت، كما أنه لا يعود يشعر بكونه يقوم بعملية التحويل هذه، فكأنها تتم بشكل أوتوماتيكي لا واع.

هذه الاكتشافات يتم استخدامها لتعزيز عملية تعلم القراءة لدى الأطفال، ففي بعض الأماكن يطلب من الطفل أن يتعرف على كلمات كاملة أثناء تعلم القراءة، وهذا في الحقيقة لا يساعده على التعلم، والأفضل أن يتم التركيز على مسألة ربط كل حرف بالصوت الخاص به، فهذا هو ما يحقق الربط بين رؤية الحروف المكتوبة، وتحويلها إلى كلام منطوق. 

في حالة تعلم الرياضيات، توصل البروفيسور ستانيسلاس ديهين أيضا إلى المنطقة المسؤولة عنها في المخ، وهي مسؤولة أيضا عن التعامل مع الأرقام والفراغ والزمن. يرى ديهين أنه لا يجب تعليم الرياضيات بشكل تجريدي، وإنما يجب ربطها مع الحدس الأساسي الذي يتمتع به الأطفال (بل وتتمتع به العديد من الرئيسيات أيضا كالقرود) نحو العمليات الرياضية.

تعطينا دراسة المخ وما يدور بداخله، الكثير من المفاتيح عن مسألة التعلم وكيف يجب أن تتم. في المقالات التالية نعرف المزيد عن تبعات هذه الاكتشافات وأثرها على نظرتنا عن تعلّم القراءة.

بقلم: د. ميشيل حنّا

المصادر: 

https://tinyurl.com/4dtx5r4r

https://tinyurl.com/8kaps9f2

https://en.wikipedia.org/wiki/Brain